أبي منصور الماتريدي

12

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

فلما كان يعانيه الموالي الفرس من عسف الأمويين وجورهم ، بالإضافة إلى اعتقادهم في نظرية الحق الملكي المقدس التي سادت الفكر الفارسي منذ أمد بعيد . يقول الإمام محمد بن علي العباسي مصورا طبيعة الأمصار الإسلامية ونوع الأهواء والأفكار السائدة بها آنذاك : « أما الكوفة فشيعة علي ، وأما البصرة فعثمانية تدين بالكف ، وأما الجزيرة فحرورية ، وأعراب لأعلاج ، ومسلمون في أخلاق النصارى ، وأما أهل الشام فلا يعرفون غير معاوية وطاعة بني أمية ، وأما مكة والمدينة فقد غلب عليهم أبو بكر وعمر ، ولكن عليكم بخراسان فإن هناك العدد الكثير والجلد الظاهر ، وهناك صدور سليمة وقلوب فارغة لم تتقسمها الأهواء ، ولم تتوزعها النحل ، ولم يقدح فيها فساد ، وهم جند لهم أبدان وأجسام ومناكب وكواهل وهامات ولحى وشوارب وأصوات هائلة ولغات فخمة تخرج من أجسام منكرة ، وبعد فإني أتفاءل إلى المشرق وإلى مطلع سراج الدنيا ومصباح الخلق « 1 » . ولم يكد القرن الهجري الأول ينتهي حتى انطلقت الدعوة السرية للبيت العباسي من الحميمة وأخذ محمد بن علي العباسي يوجه الدعاة في الآفاق فكان للعراق دعاة على التوالي هم : ميسرة العبدي ( 102 - 105 ه ) ، وبكير بن ماهان ( 105 - 127 ه ) ثم أبو سلمة الخلال ( 127 - 132 ه ) . كما وجه الدعاة إلى خراسان وكان أولهم أبو عكرمة السراج . « ويلي طبقة الدعاة في المرتبة طائفة النقباء الذين يأتمرون بأمرهم ، ويجهلون إمام الوقت ، وكان لكل داعية اثنا عشر نقيبا ، ولكل نقيب سبعون عاملا يديرون الوحدات المتفرعة ، ويشرفون على الخلايا السرية المنبثة في مختلف الأقاليم ، وكان الدعاة والنقباء يتميزون بإخلاصهم الشديد للدعوة وتفانيهم في خدمتها ، كما كانوا يتصفون ببعد النظر والقدرة على فهم تقسيمات الناس ، وتمييز عناصرهم ؛ تمهيدا لاجتذابهم إلى دعوتهم ، وبالبراعة في التخفي والتنكر ، مع حظ كبير من الثقافة والعلوم الدينية واللغوية » « 2 » . نجاح الدعوة في العراق : لعب بكير بن ماهان الذي ولي أمر الدعوة العباسية في العراق دورا كبيرا في تاريخ الدعوة العباسية على مدار اثنين وعشرين عاما ، وإليه يرجع الفضل في تنظيم الدعوة في

--> ( 1 ) د / حسن إبراهيم تاريخ الإسلام ( 2 / 12 ، 13 ) . ( 2 ) د / السيد عبد العزيز سالم ، العصر العباسي الأول ص 25 .